اذا الشعب يوماً اراد الحياة

الموضوع في 'إرتشاف الذائقة' بواسطة سام, بتاريخ ‏29 ابريل 2010.

  1. سام

    سام New Member

    أبو القاسم الشابي


    لحن الحياة ​

    إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة**** فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
    ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي**** ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ
    ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة**** تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ
    فــويل لمــن لــم تَشُــقهُ الحيـا ة**** مــن صفْعــة العــدَم المنتصـرْ
    كـــذلك قــالت لــيَ الكائنــاتُ**** وحـــدثني روحُهـــا المســـتترْ
    *****

    ودمــدمتِ الــرِّيحُ بيــن الفِجـاج**** وفــوق الجبــال وتحـت الشـجرْ:
    إذا مـــا طمحــتُ إلــى غايــةٍ**** ركــبتُ المُنــى, ونسِـيت الحـذرْ
    ولــم أتجــنَّب وعــورَ الشِّـعاب**** ولا كُبَّـــةَ اللّهَـــب المســـتعرْ
    ومن يتهيب صعود الجبال ****يعش أبَــدَ الدهــر بيــن الحــفرْ
    فعجَّــتْ بقلبــي دمــاءُ الشـباب ****وضجَّــت بصـدري ريـاحٌ أخَـرْ...
    وأطـرقتُ, أصغـي لقصـف الرعـودِ**** وعــزفِ الريــاحِ, ووقـعِ المطـرْ
    *****

    وقـالت لـي الأرضُ - لمـا سـألت:**** أيــا أمُّ هــل تكــرهين البشــرْ?
    أُبــارك فـي النـاس أهـلَ الطمـوح ****ومــن يســتلذُّ ركــوبَ الخــطرْ
    وألْعــنُ مــن لا يماشــي الزمـانَ**** ويقنـــع بــالعيْشِ عيشِ الحجَــرْ
    هــو الكــونُ حـيٌّ, يحـبُّ الحيـاة**** ويحــتقر المَيْــتَ, مهمــا كــبُرْ
    فـلا الأفْـق يحـضن ميْـتَ الطيـورِ**** ولا النحــلُ يلثــم ميْــتَ الزهـرْ
    ولــولا أمُومــةُ قلبِــي الــرّؤوم لَمَــا**** ضمّــتِ الميْـتَ تلـك الحُـفَرْ
    فــويلٌ لمــن لــم تشُــقه الحيـا ة,**** مِــن لعنــة العــدم المنتصِـرْ!
    *****

    وفــي ليلــة مـن ليـالي الخـريف**** مثقَّلـــةٍ بالأســـى, والضجـــرْ
    ســكرتُ بهـا مـن ضيـاء النجـوم ****وغنَّيْــتُ للحُــزْن حــتى ســكرْ
    سـألتُ الدُّجـى: هـل تُعيـد الحيـاةُ,**** لمـــا أذبلتــه, ربيــعَ العمــرْ?
    فلـــم تتكـــلّم شــفاه الظــلام**** ولــم تــترنَّمْ عــذارى السَّــحَرْ
    وقــال لــيَ الغــابُ فــي رقَّـةٍ ****مُحَبَّبَـــةٍ مثــل خــفْق الوتــرْ:
    يجــئ الشــتاءُ, شــتاء الضبـاب**** شــتاء الثلــوج, شــتاء المطــرْ
    فينطفــئُ السِّـحرُ, سـحرُ الغصـونِ**** وســحرُ الزهــورِ, وسـحرُ الثمـرْ
    وســحرُ السـماءِ, الشـجيُّ, الـوديعُ ****وســحرُ المـروجِ, الشـهيُّ, العطِـرْ
    وتهـــوِي الغصــونُ, وأوراقُهــا**** وأزهــارُ عهــدٍ حــبيبٍ نضِــرْ
    وتلهــو بهـا الـريحُ فـي كـل وادٍ, ****ويدفنُهَــا الســيلُ, أنَّــى عــبرْ
    ويفنــى الجــميعُ كحُــلْمٍ بــديعٍ,**** تـــألّق فـــي مهجــةٍ واندثــرْ
    وتبقــى البــذورُ, التــي حُـمِّلَتْ**** ذخــيرةَ عُمْــرٍ جــميلٍ, غَــبَرْ
    وذكــرى فصــولٍ, ورؤيـا حيـاةٍ,**** وأشــباحَ دنيــا, تلاشــتْ زُمَـرْ
    معانقــةً - وهـي تحـت الضبـابِ,**** وتحــت الثلـوجِ, وتحـت المَـدَرْ -
    لِطَيْــفِ الحيــاةِ الــذي لا يُمَــلُّ**** وقلــبِ الــربيعِ الشــذيِّ الخـضِرْ
    وحالمـــةً بأغـــاني الطيـــورِ**** وعِطْــرِ الزهــورِ, وطَعـمِ الثمـرْ
    *****

    ويمشـي الزمـانُ, فتنمـو صـروفٌ,**** وتــذوِي صــروفٌ, وتحيـا أُخَـرْ
    وتُصبِـــحُ أحلامُهـــا يقظَـــةً,**** مُوَشَّـــحةً بغمـــوضِ السَّــحَرْ
    تُســائل: أيــن ضبـابُ الصبـاحِ,**** وسِــحْرُ المسـاء? وضـوء القمـرْ?
    وأســرابُ ذاك الفَــراشِ الأنيــق?**** ونحــلٌ يغنِّــي, وغيــمٌ يمــرْ?
    وأيـــن الأشـــعَّةُ والكائنــاتُ?**** وأيــن الحيــاةُ التــي أنتظــرْ?
    ظمِئـتُ إلـى النـور, فـوق الغصونِ!**** ظمِئـتُ إلـى الظـلِ تحـت الشـجرْ!
    ظمِئـتُ إلـى النَّبْـعِ, بيـن المـروجِ,**** يغنِّــي, ويــرقص فـوقَ الزّهَـرْ!
    ظمِئــتُ إلــى نَغَمــاتِ الطيـورِ,**** وهَمْسِ النّســيمِ, ولحــنِ المطــرْ
    ظمِئـتُ إلـى الكـونِ! أيـن الوجـودُ**** وأنَّـــى أرى العــالَمَ المنتظــرْ?
    هـو الكـونُ, خـلف سُـباتِ الجـمودِ ****وفـــي أُفــقِ اليقظــاتِ الكُــبَرْ
    *****

    ومـــا هــو إلا كخــفقِ الجنــا حِ**** حــتى نمــا شــوقُها وانتصـرْ
    فصَـــدّعت الأرضَ مــن فوقهــا ****وأبْصــرتِ الكـونَ عـذبَ الصُّـوَرْ
    وجـــاء الـــربيعُ, بأنغامِـــه,**** وأحلامِـــه, وصِبـــاه العطِــرْ
    وقبَّلهـــا قُبَـــلاً فــي الشــفاهِ ****تعيــدُ الشــبابَ الــذي قـد غَـبَرْ
    وقــال لهــا: قـد مُنِحْـتِ الحيـاةَ**** وخُــلِّدْتِ فــي نســلكِ المُدّخَــرْ
    وبـــاركَكِ النُّـــورُ, فاســتقبلي**** شــبابَ الحيــاةِ وخِــصْبَ العُمـرْ
    ومَــن تعبــدُ النــورَ أحلامُــه,**** يُبَارِكُـــهُ النّــورُ أنّــى ظهــرْ
    إليــكِ الفضــاءَ, إليــكِ الضيـاءَ**** إليــك الــثرى, الحـالمَ, المزدهـرْ!
    إليــكِ الجمــالَ الــذي لا يَبيــدُ!**** إليــكِ الوجـودَ, الرحـيبَ, النضِـرْ!
    فميـدي - كمـا شئتِ - فوق الحقولِ,**** بحــلوِ الثمــارِ وغــضِّ الزّهَــرْ
    ونــاجي النســيمَ, ونـاجي الغيـومَ,**** ونــاجي النجــومَ, ونـاجي القمـرْ
    ونـــاجي الحيـــاةَ وأشــواقَها,**** وفتنــةَ هــذا الوجــود الأغــرْ
    *****

    وشـفَّ الدجـى عـن جمـالٍ عميـقٍ,**** يشُــبُّ الخيــالَ, ويُــذكي الفِكَـرْ
    ومُــدّ عـلى الكـون سِـحرٌ غـريبٌ**** يُصَرّفــــه ســـاحرٌ مقتـــدرْ
    وضـاءت شـموعُ النجـومِ الوِضـاءِ,**** وضــاع البَخُــورُ, بخـورُ الزّهَـرْ
    ورفــرف روحٌ, غــريبُ الجمـال ****بأجنحــةٍ مــن ضيــاء القمــرْ
    ورنَّ نشـــيدُ الحيـــاةِ المقـــدّ سُ فــي هيكـلٍ, حـالمٍ, قـد سُـحِرْ
    وأعْلِــنَ فــي الكـون: أنّ الطمـوحَ**** لهيـــبُ الحيــاةِ, ورُوحُ الظفَــرْ
    إذا طمحـــتْ للحيـــاةِ النفــوسُ**** فــلا بــدّ أنْ يســتجيبَ القــدر ​
     

مشاركة هذه الصفحة