فرادة القصة القصيرة جدا

الموضوع في 'القصة' بواسطة ضفاف الروح, بتاريخ ‏6 ابريل 2010.

  1. ضفاف الروح

    ضفاف الروح .:. الإدارة العليا .:.

    فرادة القصة القصيرة جدا


    أقصد هذا العنوان عن سابق تصميم .


    فرغم أن جذور الق ق ج ضاربة في تراثنا القديم في القرآن الكريم ( سورة الفيل – قصة قارون – وفي ثنايا القصص القرآني ) و في ما وصلنا من نوادر العرب ،إلا أنها عادت تفرض نفسها بقوة على الساحة الأدبية منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين؛ و هي رغم مرور ربع قرن على تداولها كنوع أدبي مستقل فإنها ما زالت مدار أخذ و رد من حيث تأصيلها في حدود جامعة مانعة ذلك أنها تتشابه في قصرها و شروطها الفنية و مكوناتها مع النادرة و الخاطرة و الومضة الشعرية و الطرفة و الخبر العادي أو الصحفي .


    فما هي القصجة ؟


    قبل تعريفها لا بد من التأكيد على عدة أمور بدهية :


    1- كل نص مهما كان نوعه يحمل فكرة محددة و هدفا ؛ و القصجة تحملهما فهل القصجة هي الفكرة المحددة التامة التي تحمل هدفا كما يزعم بعض المنكرين لها ؟ طبعا لا .


    2- إن غاية السرد القصصي مهما كان النوع الذي يتضمنه ( رواية – قصة قصيرة – نادرة – طرفة – خاطرة – قصجة ...) هي لذة التذوق الجمالي و التأثر الإنفعالي والفائدة الفكرية المعرفية معا.


    3- إن الأدب بشكل عام يهدف إلى إعادة إنتاج الواقع بصورة مدهشة مختلفة و ليس يعكس هذا الواقع بحذافيره و إلا كانت كاميرا الفيديو أمتع منه و الخبر الصحفي أصدق منه و المقالة الموضوعية أدق منه .


    4- إن القصة تكتب لعموم المثقفين ولا تتوجه بالخطاب إلى النخبة النخبة فلا يستحسن فيها طغيان الغموض و التعمية و الترميز و الأسطورة و الوحشي من الألفاظ و إلا احتاج القارئ إلى نبش بطون المراجع اللغوية و الأدبية لفهم النص و هذا ينأى بالنص عن المتعة و اللذة ؛ هذا إذا توفرت هذه المراجع لدى القراء .


    5- إن القصجة ككل نص جميل مُعبّر تختال في ثوب الفصاحة و البيان و البديع فلا تحتمل الحشو الزائد و التكرار و الشرح و إبداء الرأي و الإطناب و التضخيم المخل بالمعنى .


    6- إن واقع النص لا بد أن يوافق التصور الرابض في ذهن المتلقي و حتى في ذهن الكاتب و إلا فيكون الكاتب فاشلا في توصيل الفكرة مع ملاحظة أن هذه الموافقة نسبية بحسب ثقافة المتلقين لذا كان التأكيد على رقم 4 المدرج أعلاه .


    فما هي القصجة ؟


    هي نص قصير ينطلق في طوله من بضع كلمات و قد يصل إلى صفحة تضم عشرين سطرا ( بشرط إلتزام النص بشروط القصجة التي تلي ) يروي حدثا يصنعه شخص أو أكثر يتنامى نحو التأزم وصولا إلى القفلة الختامية المباغتة التي تفرغ الذروة بغير ما يتوقعه القارئ ) و هذا التعريف يتفق على معظمه النقاد و لا يختلفون إلا حول طول القصجة و حول ضرورة تفريغ الذروة لأن البعض يعتبر أن انفتاح النص على تأويلات و قراءات شتى أجمل من إغلاقه بواسطة لحظة التنوير و الإنكشاف .وأن طول القصجة غير مهم طالما أنها حافظت على الشروط الفنية جميعها.


    و هم متفقون على الشروط الفنية الواجب توافرها في القصجة و أهمها :


    1- توفر الحكاية في النص ؛ فالنص الذي لا يحكي لي حكاية هو مقالة أو خاطرة فكرية أو فكرة . و الحكاية تستدعي الشخصيات المتفاعلة في موقع الحدث و في زمان محدد ؛ و الحكاية تستدعي تطور الحدث و تناميه .


    و قد تكتفي القصجة بشخصية واحدة تتفاعل مع الظروف المحيطة و يتطور الحدث بها وحدها .


    و قد يتنقل الحدث في أمكنة متنوعة ( مغلقة أو مفتوحة ) تماما كما يمكن أن يمتد في الزمان إلى الماضي و الحاضر و المستقبل طالما أن هذه الأزمنة تصنع المفارقة التي يركز عليها الحدث .


    فالقصجة لا تمانع في تناغم الزمن الاسترجاعي و الاستباقي في ثناياها طالما أنهما يصبان في بحرها و يخدمان الحدث المتنامي الذي تحكيه .


    لنأخذ مثلا على ذلك قصتي هذه:


    ( أفاق تعِبا ؛ فوجد مخلوقات فضائية تبسم في وجهه.)


    فالزمن الاسترجاعي مختف تحت عباءة كلمة ( أفاق ) يعني أنه كان نائما .


    و الزمن الحاضر ظاهر في عبارة ( أفاق تعبا )


    و الزمن الإستباقي حدث أثناء النوم الطويل الذي جرت فيه أحداث مستقبلية غابت عن النائم .


    إلا أنه لا يشترط تعدد الأزمنة و الأمكنة فقد يكتفى بواحد من كل منهما كقصتي هذه: ( قالت له طلقني طلقني طلقني فقال لها : أنت عالق عالق عالق .)


    و هذا الشرط ( الحكائية) يبعد الشعر و الخاطرة الشاعرية و الومضة المجردة عن حمى القصجة .


    2- التكثيف : ويخلط كثيرون بينه و بين الاختصار و الإختزال فاختزال النص يعني تشذيبه من الشروحات و التفسيرات و الرأي الخاص المقحم إقحاما ومن الأمثلة و الشواهد و الحكم و من تكرار الأفكار و الألفاظ .


    أما التكثيف فهو ضغط عدة صور و مشاهد أو أفكار في كلمة واحدة كالفعل ( أفاق) في القصة السابقة أو في عبارة قصيرة ( أفاق تعبا – تبسم في وجهه)


    و هذا من أهم شروط القصجة لأنه يفتح النص على احتمالات شتى و قراءات متنوعة


    و كاستخدام الأخت صابرين حسن الفعل تشرنق في قصتها الفائزة ( فراشة ) فقد قام هذا الفعل برسم مشهد طويل عريض استحضر مراحل تطور الفراشة و أخفى دلالات الإنطواء الطوعي عن الحياة و كاستخدامها عبارة ( فأمست فراشة ) مع كل ما تحمله الفراشة من دلالات الربيع و الفرح و الأمل و البهجة و الجمال ...


    و هذا الشرط يبعد النادرة و الخبر و الطرفة و الفكرة العادية عن حدود القصجة .


    3- المفارقة : وهي من أجمل ما تتزيا به القصجة لأنها تعتمد على عنصر الإدهاش و الإمتاع و مفاجأة القارئ بما لا يتوقع ( كقولي في القصة السابقة : أنت عالق عالق )


    فلو قلت : أنت طالق لانساب المعنى متماشيا مع المألوف من أخبار المتزوجين و حالاتهم و لكن كلمة ( عالق ) حرفت المعنى عن مساره و أخذت بتلابيب القارئ إلى معنى آخر لم يكن يتوقعه .و هذه المفارقةهي أكثر ما يجمع بين القصجة و النادرة و الطرفة لأنها جميعا تعتمد على مباغتة المتلقي بغير ما يتوقع .


    لكن النادرة عبارة عن قصة حدثت على أرض الواقع بكل تفاصيلها و حيثياتها و على الراوي أن ينقلها بدقة و أمانة علمية حرفيا و بالتالي فهي لا تختلف كثيرا عن الحدث التاريخي المنقول بدقة .بينما القصجة تروي حدثا ليس من شروطه التحقق على أرض الواقع و لربما روت فكرة معروفة يتداولها الناس و لكن يظل الفرق الجوهري أن القصجة تعيد إنتاج هذا الحدث بأسلوب جديد جميل متخيل . وكلنا نتذكر نوادر جحا .و النوادر الرائعة التي تضمنها( العقد الفريد ) .


    أما الطرفة فهي النكتة التي نضحك لها جميعا و هي تروي حدثا مألوفا ولكن بمفارقة مضحكة و ليس من شروطها التكثيف و الأسلوب الأدب إبداعي أو الخيال و العاطفة


    ( عناصر الأدب المعروفة ) و يظل التهكم و الإضحاك هو هدف النكتة بينما لا يشترط ذلك في القصجة وليس من ثيابها .


    أما الخبر فهو ما نسمعه يوميا من أحداث واقعية تحصل عندنا و حولنا ولا علاقة له بالقصجة لانتفاء التكثيف و المفارقة و عناصر الأدب فيه .


    تبقى الفكرة و هي شرط أساس من أسس تكوين القصجة و لكنها لا يجوز بحال أن نسميها قصجة دون إلباسها العاطفة و الخيال و التكثيف و المفارقة .


    فقولنا مثلا : احتفال الناس بعيد الأم تكريم لها و اعتراف بفضلها .


    هذه فكرة يمكن أن يعدل فيها أحدهم تعديلات طفيفة و يدعوها قصجة :


    اهل ّ عيد الأم فصفق الناس له اعترافا بفضلها و ما زالوا يصفقون .


    هل هذه قصجة ؟


    لا


    لأنها فكرة مألوفة واقعية لم تعد إنتاج ذاتها كنص أدبي عابق بالخيال و الصور و التكثيف و المفارقة .


    وتجدر الإشارة إلى أن قدرة الكاتب تتجلى في إظهار المفارقة بقوة تناسب الفكرة لأنه إن دلقها متسرعا ضجرا جاءت خافتة الضوء واهنة غير معبرة .


    4- انتشار الجمل الفعلية التي ترسم الحدث و تمنحه الحيوية و الحركة ؛ و بعض الكتاب يكتفي بالوصف أو بالحوار ولا يحتفي بالفعل إلا قليلا فتأتي القصة محلقة في فضاء الخاطرة أو الشعر بعيدة عن الحدث الذي تقوم عليه الحكاية .


    5- العنوان : و هو في القصجة مكون أساس من مكوناتها وليس من حواشيها وهو الذي قد يحدث المفارقة أحيانا أو يلقي الضوء على هدف الكاتب أو يتضمن المعنى البعيد الذي يقصده الكاتب و يجب أن يكون على علاقة مباشرة بالفكرة لا سابحا في فضاء غير فضائها . و الحقيقة أن معظم الكتاب يحتفون بالعنوان و يصرفون له الوقت و الجهد و لكن البعض يستسهل اختياره فيدلقه كيفما اتفق فيأتي مباشرا كأن تتحدث القصة عن خطبة يلقيها الزعيم فيأتي العنوان ( خطبة ) أو كالقصة الفائزة ( فراشة ) و عبارة ( أمست فراشة ) موجودة في خاتمة القصة .


    و الأمثلة أكثر من أن تحصى ففي منتدى القصجة نقرأ عناوين رائعة ( مخاض – لن –


    بين زمنين – الذلقراطية - بوح – نتيجة – الشاعر و الحال – أفضلية المرور


    الزوج النعامة ( وهذا عنوان فيه إطناب إذ تكفي كلمة نعامة للدلالة على مضمون القصة ) – عدنان ( عنوان دال رائع يستحق أن يدرس لوحده لأنه القصة كلها في إحالاتها الجميلة المعبرة .) . ( أعتذر ممن لم أذكر لهم عناوين قصص)


    6- الوحدة : و تعني توحد القصة حول فكرة واحدة يقودها الحدث صعودا نحو الذروة من أول حرف في القصة حتى لحظة تفريغ الذروة . لأن تنويع الأفكار يشتت الحدث فتقف إحدى الأفكار عند أول الدرب و تمضي الثانية حتى المنتصف و تمضي الثالثة - ربما تكون فكرة باهتة - نحو الذروة .


    بقي كلمة ضرورية حول أستخدام الرمز و الأسطورة فالكثير من الكتاب يزين قصته ببعض هذه الرموز ( الثعلب – الفراشة – القهوة العربية – الرمال – الناقة – الحصان إلخخخ أو الأسطورة (صخرة سيزيف – قرن الثور والزلازل _ النرجسية ( نرسيوس المغرور بجماله إلخ.. أو بكنايات مثل (سويسرا الشرق – عاصمة الحرف – أم الشرائع - .... و هو يتوقع أن القراء سيفهمون هذه الرموز والكنايات و الأساطير كما هو يفهمها . و لو كانت قليلة لهانت المسألة لأن باقي القصة يشرح المقصود منها و لكن إذا كثرت هذه الرموز و لم توظف في مكانها الصحيح أولم تتضمن القصة قرينة دالة عليها أو لم يفلح الكاتب في صياغة قصته أو أكثر من الصور البيانية كل ذلك في نص لا يتعدى السطرين أو الثلاثة فإن هذا يوقع المتلقي في شرك الغموض و الإبهام لماذا ؟


    لأن كل ما سبق ذكره من رموز و أساطير و كنايات و صور مجازية تحمل معنى بعيدا ويشترط في المتلقي أن يقارن في تصوره بين المعنى القريب المكتوب و بين المعنى البعيد المقصود ثم يربط هذه العملية بفكرة النص الرئيسة فيصاب بالإحباط و يروح يشرّق و يغرّب محاولا فهم فكرة القصة ثم يتوكل على ذكائه معلقا بما جادت به ثقافته على النص فيفاجئه الكاتب بقوله : يظل للقارئ الكريم الحق في فهم النص على هواه .


    و هذا خطأ شائع لأن فكرة النص والمقصود منها لا بد أن يصل إلى جميع القراء أما الإحالات و الرؤى المختلفة فيحق للقارئ أن يطبقها في ذهنه على فكرة ثانوية أخرى وهذه الإحالات والإجتهادات تنتج من الكلمة أو العبارة المكثفة لا من الفكرة الرئيسة للنص .و نضرب لهذا مثلا :


    قصة الكاتب عبد الله بوح :



    الســــــاعة



    كانت له ساعة جيب ورثها عن جده. تعطلت فاستعصىاصلاحها. نصحوهبالاستغناء عنها فقد أصبحت تخطيء المواعيد في كل وقتوحين.


    قال رافضا:" وفية هي، تشير للوقت الصحيح مرتين في اليوم، فلا تلومونيفيعشقها"




    ===========================


    فكرة النص الرئيسة لا يجادل فيها اثنان ( تعلق الناس بالتراث و الموروث القديم على علاته السلبية فقط لأنه تراث الأجدادا )


    الرمز بساعة الجيب المعطلة موفق جدا لأنه يؤشر للماضي التراثي والتكثيف الذي تضمنته عبارة ( استعصى إصلاحها ) يشير إلى عقم الإستنجاد بالماضي لحل معضلات الحاضر .


    أما قول الكاتب : وفية هي .ففيه إشارة إلى وفاء التراث على الأقل للزمن الذي عايشه أما أن يكون التراث وفيا للزمن المعاصر رغم أنه معطل و مستعص على الإصلاح فهذا المعنى لم يوفق الكاتب في التعبير عنه .


    كما أن قوله ( تشير إلى الوقت الصحيح مرتين في اليوم ) فرمز مكثف غير موفق أيضا و أدخل القارئ في متاهة الفهم . كيف ؟


    المعنى المباشر للجملة يتناقض مع المعنى السابق ( أصبحت تخطئ المواعيد في كل وقت و حين .


    و المعنى البعيد للجملة ( أنها متوقفة تماما عند وقت محدد ليلا و نهارا


    ( الواحدة مثلا) استغلق على الفهم ؛ لأنه صار كالأحجية التي لا يتقن فك رموزها إلا الكاتب .


    يتضح من كل ما تقدم أن القصجة تتألق في ثوب يزينها و يفردها عما عداها من فنون شبيهة تحوم حول الحمى توشك أن تقع فيه ولكنها تعجز .


    منقول

    مع الشكر لصاحب الموضوع
    :88:
     
  2. ملكة زماني

    ملكة زماني New Member

    شكراً أختي ملكة سبأ على هالموضوع الرائع
     

مشاركة هذه الصفحة