لا خيل عندي ولا مال .. بل عيال

الموضوع في 'إرتشاف الذائقة' بواسطة طلال الدبعي, بتاريخ ‏12 ابريل 2010.

  1. طلال الدبعي

    طلال الدبعي شاعر/اداري

    لا خيل عندي ولا مال .. بل عيال

    تعرضت على مدى سنوات عيشي في منطقة الخليج، لسؤال واحد من قبل الأهل والأصدقاء: ماذا أنجزت بعد قضاء معظم سنوات عمرك في الخليج؟ كان من حقهم ان يطرحوا هذا السؤال لأنهم كانوا يتحدثون عن "الإنجاز" بالمعيار المادي.. وبعد أن كثرت النق والطن والزن شيدت بيتا لإسكاتهم.. ولكنهم لم ولن يسكتوا: بس بيت؟ اين استثماراتك وموارد رزقك بعد التقاعد؟.. عندما قدمت طلبا للحصول على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة لمرافقة ولدي الذي قرر الالتحاق بجامعة أمريكية، وبما أنني انتمي إلى دولة مؤسسة لمحور الشر، فقد كان لزاما علي أن أجري مقابلة (إنترفيو) مع مسؤول في القنصلية الأمريكية، وكان السؤال الأول الذي وجهه إلي: منذ متى وأنت في قطر؟ قلت: منذ عام كذا وكذا، وجاء السؤال الثاني: متى تعتزم التقاعد؟ قلت له نيفر never أبدا.. ليس واردا عندي ان أتقاعد طالما صحتي تسمح لي بالعمل.. ابتسم الرجل وقال ما معناه هذا كلام جميل ولم يطرح علي سؤالا آخر، بل قال: تعال بعد أسبوع.
    أعود الى تساؤل من يحبونني من الأهل والأصدقاء عن استثماراتي التي سأعيش عليها لو مد الله في أيامي وصرت عاجزا عن العمل، وأقول: حتى لو كنت أملك الموارد المالية للدخول في عمل استثماري، لما فعلت ذلك، لأنني فاشل في أبسط عمليات الجمع والطرح وبالتالي سأفشل في مجال الاستثمارات.. ولو كان هناك أمر واحد يمنحني الرضا عن النفس والإحساس بالنجاح، فهو أنني استثمرت معظم ما وقع في يدي من مال في تعليم عيالي.. ولا أتكلم هنا عن التعليم الجامعي، بل ما بعده أيضا، فبحكم معرفتي بسوق العمل والمستجدات فيه ومتابعتي للشؤون الدولية والمتغيرات فيها في ظل العولمة (بحكم الوظيفة التي أعتاش منها وهي الصحافة) فإنني أعرف ان البكالريوس صار سلفا مثل شهادة إكمال المرحلة الثانوية "لا يؤكل عيشا"، ولا حتى تبنا.. وطالما أن هناك فرصة لشخص ما للحصول على الماجستير والدكتوراه فعليه ان يستغلها، وخاصة أننا ننتمي الى بلدان "عبدة الشهادات".
    منذ سنوات لم تعد عندي رغبات شخصية: لا يهمني شكل وموديل سيارتي، ولا ما إذا كانت ملابسي تجاري الموضة أو الفوضة (الفوضى).. ذات مرة ألقى ولدي لؤي هاتفي الجوال في الدبليو سي سهوا (ولكن متعمدا)، لأنه كان يخجل عندما استخدمه في حضور الآخرين، باعتبار ان ذلك الجوال كان من مخلفات الحرب العالمية الثانية.. وأخرجت العائلة فيلما هنديا عن "عيد ميلادي" واشتروا لي هاتفا جميلا (بفلوسي طبعا)،.. ولا أشتهي طعاما معينا فمازال ذوقي في الطعام بلديا.. بعبارة أخرى فإن همي الأساسي هو توفير كل ما هو ضروري لصحة عيالي البدنية والنفسية والفكرية.. وقياسا على مقولة صديقي الدكتور غازي القصيبي "جعفر عباس الذي لا يبوس ولا ينباس" فإنني لا أدلع (بكسر اللام) ولا أدلع (بفتح اللام).. أوفر لعيالي الضروريات وبعض الكماليات وهذه الأخيرة "فيها إنَ" في كثير من الحالات.
    وهنا تحضرني ملاحظة صديقي عن عدم جدوى الإنفاق بسخاء على تعليم البنات: تصرف عليهن ثم يأتي رجل غريب و"ياخدهن".. قلت له بوضوح: داهية تاخدك.. البنات بالذات ينبغي تسليحهن بالعلم والمهارات حتى لا يتعرضن أبدا للإذلال المادي لو دخلن في عصمة رجل "جِلدة"!



    جعفر عباس - أبو الجعافر
     

مشاركة هذه الصفحة