مت قبل موتك مرةً

الموضوع في 'إرتشاف الذائقة' بواسطة طلال الدبعي, بتاريخ ‏1 مايو 2010.

  1. طلال الدبعي

    طلال الدبعي شاعر/اداري

    كتبه د· صلاح فضل: الموضوع من منتدى عن جريدة الاتحاد الإماراتية وهذه هي المسئولية في النقل لدينا في منتديات ( هذه هي اليمن ) ونأمل أن ينال الموضوع إعجابكم خاصة وقد صدّره الرائع / صلاح فضل فله التحية والتقدير وللشاعر كريم معتوق صاحب القصيدة ألف تهنئة من القلب على هذا الترف الفكري الباذخ ، دمتم نورا للعقول يا شعرائنا الأفاضل ، نحتاجكم وهجا - طلال



    شاعر عربي مبدع من الإمارات،تصدرّ بجدارة فائقة كوكبة الشعراء الشباب المتنافسين على لقب أمير الشعراء لهذا العام، وكشف خلال تجارب المواجهة مع النقاد وجمهور الشعر عن موهبة متفردة فى ابتكار ما أطلق عليه'' شعر التواصل الجمالي''، وهو نوع يختلف بطبيعته جذريا عن شعر الحداثة الطليعي الذي يعتمد على القراءة الفردية، مستثمرا ما يسمى في النقد الحديث بجماليات الاختلاف، ومن ثم لا يستطيع اختراق حدود الصفوة العالمة، ولا يظفر بحماس المتلقين. أما شعر التواصل الجمالي فيعتمد على احتضان القيم الإيقاعية والتعبيرية التي استقرت في الوجدان، وتنميتها ببعث الحيوية النابضة فيها، بغية استعادة قدرة الشعر على اجتذاب اهتمام الناس، وتدريب ذائقتهم على تقبل التجديد المحسوب في تقنياته وأساليبه، كما يعتمد على بلورة وعيهم، وتجسيد رؤيتهم للقضايا المصيرية للإنسان، ولعب الدور الحاسم في تشكيل الضمير الجماعي، حتى لا يظل الشعر مجرد تعبير ذاتي فردي تتبعثر عنده التوجهات الفكرية والوجدانية العامة. لكن التحدي الأكبر الذي يواجه هذا الخطاب الشعري التواصلي في عصر الانفجار الإعلامي ألا يقع في الخطابية المباشرة، وأن يظل قادرا على تنمية القيم الشعرية الجمالية وترقية أذواق المتلقين.

    وأحسب أن إحياء هذه الوظيفة الخطيرة، واستثمار منجزات '' الميديا'' في التفاعل الثقافي، والانتشار كما تم في التجربة الأولى لبرنامج'' أمير الشعراء'' يقدم أنجح إنجاز لتوطين الشعر الفصيح في بؤرة الإشعاع الثقافي العربي الراهن.

    كريم معتوق- الذى زُفّت إليه هذه الإمارة الرمزية الوليدة - نموذج فذ لبلورة هذا الوعي بأهمية التجربة في التواصل الجمالي، حيث يعدّها بصدق فكرة بكرا تؤسس للحب والفن والجمال فيقول:

    ''حدث عن الحرب واعزف أيها القمر

    لحنا تفرد مما يعشق الوتر

    أرضى أحبت عزوف الشعر فاختلقت

    للفكرة البكر مالم يختلق بشر

    هنا التقينا ورودا في خمائلها

    نستمطر الغيب شعرا كله صور

    جئنا نعيد لمجد الضاد رفعته

    بالحب نطوي مجّرات ونبتكر

    فاشحذ قوافيك أوفا سرج مخيلة

    في الشعر تلمس آفاقا وتنبهر

    حين التقينا أرتنا طهر نخوتها

    أرضى وأدرى بها تعطى وتعتذر

    ويكفي أن نلاحظ لتوضيح مفهوم التواصل الجمالي الذي يرتبط بعلاقة النص بالمتلقين من ناحية، وتجذره في التراث الشعري الأصيل من ناحية أخرى أن هذه الأبيات التي تدور حول تجربة جديدة غير مسبوقة في الثقافة العربية، بمجرد أنها اتخذت نموذج التوافق الإيقاعي مع عيون الشعر العربي أخذت تنهمر على حافتها بالضرورة أصداء ترتبط في نسقها الحميم بسلالة بديعة من الأشعار التراثية، دون أن تعقد صلة مباشرة بها غير قرابة الإطار وما يفرضه من أنماط التعبير، ودون أن يكون الشعر على وعي بهذه القرابة اللا شعورية، وهو يكتب نصه في رحاب هذا المهاد الإيقاعي والدلالي، إذ يستطيع الباحث بلون من الحفر أن يعثر على جذور بعيدة موسيقية في قصيدة أبي تمام '' يا هذه أقصري'' عندما يقول:-

    '' يعطى ويحمد من يأتيه يحمده

    فشكره عوض وماله هدر

    غضبا إذا سلّه في وجه نائبه

    جاءت إليه صروف الدهر تعتذر''

    وكذلك في رائية المتبني التي يقول فيها لسيف الدولة:

    '' الصوم والفطر والأعياد والعصر

    منيرة بك حتى الشمس والقمر''

    وهنا تلعب '' جماليات التوافق'' دورها في تحفيز المتلقين على الحفاوة بالأشعار العمودية، لما تستثيره من أنغام معتقة رصينة، وإن كانت في صياغة تجربة عصرية مخالفة تماما في أبعادها ودلالاتها عن التجارب القديمة، لأن الموسيقى على وجه التحديد تعتمد على الاستئناس بالتكرار الذي يزيدها ألفة وحلاوة، الأمر الذي يسمح للنقاد المعاصرين بتفصيل القول عما يسمونه'' التناصّ أو التداخل النصي'' دون أن يشوب حديثهم أي انتقاص للنصوص الجديدة التي تثرى بما تتلى عليه في الذاكرة، وتقوى على تشكيل الأساليب ومذاهب القول الشعري الجديد.


    تفعيل المفارقات

    لكن شاعرنا سرعان ما يجدل أسطورته الشخصية في قصائد تفعيلية يستزد بها صوته المائز وينفذ إلى صميم خصوصيته، عبر تفعيل مفارقات تجربته الحيوية في الحب والموت وفلسفة الحياة، متخلصا من صلابة الإطار التراثي المشدود إلى ذاكرته، ليمرح في حرية القول الشعري ونعيم تفاعيله المرنة، وهو يتأمل روحه في لحظة فائتة، إذ تنفصل عن عالم المادة لتسبح في ملكوت الغيب، وكأنها بذلك- كما يقول - ترسم خارطة الحياة عبر'' موت مؤقت'' يصوره قائلا:

    '' مت قبل موتك مــــــــــــــــــــــــرة

    كي لا يسومك في تيقظك الخراب

    لــــــــــــن تحزن امرأة علـــــــــيك

    أغير أمك ترتجي حزنـــــــــــــــــــــــا

    أتبلغ حزنهـــا امــــــــــــــــــــــــرأة

    ويـــــــــــنصفـــــــك العـــــــــــــــــــذاب

    مت قبل مـــــــــوتك مــــــــــــــــــــرتين

    فبائـــــــــــــــــــــــع الصحف الكئيبة

    لن يفتش عن صباحك في الزحـــام

    إذا تـــــــــــــوسدك الغياب

    مت قبل مـــــــــــــــــــــــــــوتك ســــــــاعة

    واعرف عدوك من صديقك ربما

    غيرت خارطة الصداقة والعداوة

    وانتبهت لما تقوله الصحاب''

    والعجيب في خطاب الشعر أنه يعبث بالضمائر عن قصد، فدعوة الموت المكررة موجهة للذات أساسا، فهو يخاطب نفسه،لكنه يتوسل بصيغة خطاب الآخر الذي يمكن أن يندرج فيه القارئ أيضا، وحينئذ تنطرح فوقه خيمة التخييل ، فيجد نفسه معنيا بالتجربة وداخلا فيها، علينا أن نسبق أقدارنا وأعمارنا، ونتصور قبل الأوان موتنا، حتى نعرف حقيقة مشاعر من حولنا من الأهل والأحبة والأصحاب، وعامة الناس. وهنا يضعهم الشاعر في مراتب مقدرة، فالأم عنده هي المرأة الوحيدة التي يثق في صدق مشاعرها، أما الأخريات فمن يدري ماذا سيعتري حبهن من حداد مؤقت وارتياح مضمر. أما المجتمع المتمثل في طاحونة الصحف، ومن يكتبونها أو يبيعونها فسيضيع ذكرك في زحامه ولهوه حتى تستقر في مرتبة الغياب. ويبقى هؤلاء المختلطون بك، الممرهون عليك، ما بين عدو وصديق. ستفيدك اللعبة لتكشف خارطتهم وتعرف مدى صدقهم . ومع أن الفرضية تخيلية عبثية ، غير أنها تتكئ على خلفية فلسفية ونفسية تجعل للموت معنى الاختيار الذي يفتقده، وللحياة قيمة الصدق التي لا تكاد تحققها، وللشعر أهمية الكشف عن المخبوء، أما أطرف مشهد في هذه القصيدة المطولة المتعددة الحركات والمواقف والمقاطع، فهو الذي يعمد فيه الشاعر إلى كشف خبايا رفاقه من المشتغلين بالكتابة والفكر والأدب والشعر.

    وفي مقطوعة استهل بها قصيدته اللعوب'' قصاصات''، وهي بعنوان'' مجنونة''،يقول فيها:

    '' مجنونة أنت، هل تدرين سيدتي

    أنا أحب جنونا فيك يغويني

    فإن تغنيت كوني رجع أغنيتي

    وإن رحلت فقولي سوف يأتيني

    أحبك الآن شيئا فوق معرفتي

    شيئا أحس به بالعنف واللين

    كأنما أنت قد صادرت أخيلتي

    بصحة الفكر أو سحر الرياحين

    حاولت حاولت أن أقصيك ملهمتي

    عن الخيال فوافتني شراييني

    كل التواريخ تهوى تحت مملكتي

    ما دمت أنت معي لا شيء يعنيني''

    وعلينا أن نقاوم أصداء الإطار العمودي في الذاكرة الموسيقية للشعر حتى ننتبه إلى خصوصية هذه الأبيات وعذوبتها في التعبير عن موقف الرجل من المرأة المعاصرة، فكلما ازدادت ثقافة ومعرفة ووعيا توقع منها أن تجنح للمنطق، وتلتزم بالمعقول، فإذا ماشذت عنه، وهي دائما تشذ، وجد نفسه مضطرا للتغني بجنونها واعتباره ميزتها اللافتة للنظر. ولست أدري لماذا لا يستثمر الملحنون مثل هذه الفلذات الشعرية الثمينة ليوازنوا بها معادلة الفصحى والعامية على ألسنة المطربين والمطربات؟


    .
    .
     
  2. ضفاف الروح

    ضفاف الروح .:. الإدارة العليا .:.

    استاذي القدير / طلال الدبعي


    الشكر كل الشكر على الانفراديه في مدنا بكل ماهو رائع ومميز


    والشكر لصاحب الموضوع


    لا عدمنا هذا الرقي في الانتقاء


    لك مُجمل الود

    ولروحك :23:
     

مشاركة هذه الصفحة